الشيخ محمد علي طه الدرة
15
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
آدَمَ . . . إلخ رقم [ 59 ] . وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي : تحريفه على ما يريدون ، ويشتهون . وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أي : لا يعلم تفسير المتشابه ، ومعناه الحقيقي إلا اللّه وحده . وقيل : يجوز أن يكون للقرآن تأويل ، استأثر اللّه بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، كالحروف المقطّعة . . . إلخ . انظره فيما سبق . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي : الثابتون في العلم . وهم الذين أتقنوا علمهم ؛ بحيث لا يدخل في علمهم شكّ ، والرّسوخ : الثبوت في الشّيء ، وكلّ ثابت راسخ ، وأصله في الأجرام : أن يرسخ الجبل ، والشّجر في الأرض . قال الشاعر : [ الطويل ] لقد رسخت في الصّدر منّي مودّة * لليلى أبت آياتها أن تغيّرا هذا ؛ وقال ابن أبي حاتم بسنده : حدّثنا عبيد اللّه بن يزيد - وكان قد أدرك أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنسا ، وأمامة ، وأبا الدرداء رضي اللّه عنهم - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عن الرّاسخين في العلم ، فقال : « من برّت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن عفّ بطنه ، وفرجه ، فذلك من الرّاسخين في العلم » . وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد : الرّاسخون في العلم : المتواضعون للّه ، المتذلّلون له في مرضاته ، لا يتعاظمون على من فوقهم ، ولا يحتقرون من دونهم . هذا ؛ وفي قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ استعارة ، والمراد بها : المتمكنون في العلم تشبيها برسوخ الشيء الثقيل في الأرض الخوّارة ، وهذا أبلغ من قوله : والثابتون في العلم . هذا ؛ والراسخ في العلم من وجد من العلم في علمه أربعة أشياء : التّقوى فيما بينه وبين اللّه تعالى ، والتواضع فيما بينه وبين النّاس ، والزّهد فيما بينه وبين الدّنيا ، والمجاهدة فيما بينه وبين النّفس . يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : سمّاهم راسخين في العلم بقولهم : آمَنَّا بِهِ فرسوخهم في العلم هو الإيمان به ، وقال عمر بن عبد العزيز - رضي اللّه عنه - : في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا يعني : المحكم ، والمتشابه ، والناسخ ، والمنسوخ ، وما علمنا به ، وما لم نعلم ، ونحن معتقدون في المتشابه بالإيمان به ، ونكل معرفته إلى اللّه تعالى ، وفي المحكم يجب علينا الإيمان به ، والعمل بمقتضاه . وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ : انظر الآية رقم [ 269 ] من سورة ( البقرة ) . تنبيه : فإن قيل : القرآن نزل لإرشاد العباد ، فهلا كان كلّه محكما ؟ ! والجواب : أنّه نزل بألفاظ العرب ، وعلى أسلوبهم ، وكلامّهم على ضربين : الموجز الذي لا يخفى على سامع . هذا هو الضّرب الأول ، والثاني : المجاز ، والكنايات ، والإرشادات ، والتلويحات . وهذا هو المستحسن عندهم ، فأنزل اللّه القرآن على الضّربين . ليتحقّق عجزهم ، فكأنه قال : عارضوه بأيّ الضّربين شئتم . ولو نزل كلّه محكما ؛ لقالوا : هلّا نزل بالضّرب المستحسن عندنا .